حقوق الانسان دولية

الأزمة السودانية: ممثل المفوضية السامية للاجئين: “تم تسجيل أكثر من 200 ألف طفل سوداني في المدارس التشادية”

في الذكرى الثالثة لاندلاع النزاع في السودان، وتواصل تدفق اللاجئين نحو الأراضي التشادية. في هذا الاطار أجرى فريق لصحيفة إنفو، لقاءً حصرياً مع الممثل المقيم للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تشاد، السيد باتريسي أوهانسو، لتقييم حصيلة الاستجابة الإنسانية وتطور أوضاع اللاجئين والمجتمعات المضيفة، في ظل أزمة وُصفت بأنها من بين الأكثر تعقيداً في المنطقة.

وخلال المقابلة، قدّم المسؤول الأممي باتريسي أوهانسو، عرضاً شاملاً حول الوضع الإنساني في تشاد المرتبط بالأزمة السودانية، مستعرضاً ما تحقق من تقدم، وما تبقى من تحديات، إضافة إلى رؤية المفوضية للمرحلة المقبلة.

وأوضح باتريسي أوهانسو، أن الاستجابة الإنسانية في تشاد شهدت تطوراً تدريجياً منذ اندلاع الأزمة في عام 2023م، رغم الضغط الكبير الذي فرضه التدفق المستمر للاجئين على الخدمات والبنية التحتية والموارد المتاحة، مشيراً إلى أن العمل الإنساني ركّز خلال السنوات الثلاث الماضية على الاستجابة الطارئة في البداية، قبل الانتقال إلى مقاربة أكثر استدامة تعتمد على تعزيز الصمود والدمج التدريجي للاجئين في الخدمات الوطنية.

وبيّن باتريسي أوهانسو، أن أوضاع اللاجئين شهدت تحسناً نسبياً مقارنة بالبدايات، خاصة في مجالات التعليم والصحة والمياه. وذكر أنه تم تسجيل أكثر من 200 ألف طفل في المدارس التشادية، إلى جانب تدريب مئات العاملين في القطاع الصحي لدعم الخدمات في مناطق الاستقبال، فضلاً عن توسيع برامج المياه والصرف الصحي.

كما لفت إلى أن المفوضية، بالتعاون مع الحكومة التشادية، تمكنت من دعم إعادة توطين مئات الآلاف من اللاجئين في مناطق أكثر أماناً، مع تعزيز الوجود الخدمي في هذه المناطق، بما في ذلك إنشاء مدارس ومراكز صحية وبنية تحتية أساسية، وهو ما ساهم في تخفيف جزء من الضغط على المجتمعات المحلية.

وفيما يتعلق بالمياه، أوضح السيد باتريسي أن معدل الحصول على مياه الشرب ارتفع من 4–6 لترات للفرد يومياً في بداية الأزمة إلى نحو 10–12 لتراً حالياً، وهو تطور يعكس تحسناً نسبياً في الاستجابة رغم استمرار العجز الكبير.

انتهاكات النزاع وضغط إنساني متصاعد

وتوقف المسؤول الأممي مطولاً عند الوضع الإنساني في السودان، واصفاً إياه بالكارثي، في ظل استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي دفعت مئات الآلاف إلى الفرار نحو تشاد. وأشار إلى أن تقارير المفوضية وشهادات اللاجئين تعكس تصاعداً مقلقاً في حجم الانتهاكات، حيث ارتفعت نسبة الأشخاص الذين أفادوا بتعرضهم لانتهاكات من 50% في عام 2024 إلى 70% في 2025م، لتصل إلى 94% في 2026م، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، عمق الأزمة الإنسانية وطبيعتها العنيفة.

وأكد السيد باتريسي أن هذه المعطيات تستند إلى دراسات ميدانية وشهادات مباشرة، تشمل حالات ابتزاز، ومصادرة ممتلكات ووثائق، وعنفاً جنسياً طال النساء والأطفال بشكل خاص، ما يجعل الوضع الإنساني أكثر تعقيداً ويضاعف احتياجات الحماية.

وفي السياق ذاته، أشاد الممثل المقيم باتريسي أوهانسو، بكرم الشعب التشادي وحكومته، مشيراً إلى أنهما وفّرا بيئة استقبال وحماية للاجئين رغم محدودية الإمكانيات والضغوط الكبيرة على الموارد الوطنية.

وأوضح أن تدفق اللاجئين لم يقتصر أثره على الفئات الوافدة فقط، بل امتد ليشمل المجتمعات المضيفة التي تواجه ضغطاً متزايداً على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والمياه، إضافة إلى تأثيرات بيئية واقتصادية واضحة في بعض المناطق.

ولمواجهة ذلك قال الممثل المقيم للمفوصية باتريسي أوهانسو، إن المفوضية اعتمدت برنامج يقوم على دعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة في آن واحد، عبر إدماجهم في الخدمات الوطنية وتوسيع البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك بناء أكثر من 130 مدرسة، وإنشاء مراكز صحية وأسواق محلية، وتحسين شبكات المياه.

كما تم إطلاق مشاريع زراعية وتنموية مشتركة تهدف إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي، وتقليل الاعتماد على المساعدات الإنسانية، إضافة إلى دعم برامج الصمود الاقتصادي والاجتماعي للفئات الأكثر هشاشة.

تحديات التمويل واستمرار الأزمة

ورغم هذه الجهود، شدد المسؤول الأممي باتريسي على أن التحديات ما تزال كبيرة، وفي مقدمتها نقص التمويل، حيث لم تتجاوز نسبة الاستجابة المالية 24% من الاحتياجات المطلوبة خلال عام 2025م، وهو ما يحدّ من قدرة المفوضية وشركائها على توسيع نطاق التدخلات.

كما أشار إلى استمرار تدفق اللاجئين من السودان، ما يفرض ضغوطاً إضافية على البنية التحتية والخدمات، ويجعل من التخطيط طويل الأمد مهمة أكثر تعقيداً، رغم التنسيق المستمر مع الحكومة التشادية وشركاء الأمم المتحدة في إطار نهج يربط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام.

وفيما يتعلق بالحلول المستقبلية، اعتبر السيد أوهانسو أن تحقيق السلام في السودان يمثل الشرط الأساسي لإنهاء الأزمة، وتمكين اللاجئين من العودة الطوعية إلى ديارهم بشكل آمن. وفي الوقت ذاته تعمل المفوضية على تعزيز خيارات الإدماج المحلي وإعادة التوطين في دول ثالثة، باعتبارها حلولاً مكملة وليست بديلة عن العودة.

ووجه المسؤول الأممي نداءً إلى المجتمع الدولي دعا فيه إلى عدم تجاهل الأزمة الممتدة، وزيادة الدعم لتشاد التي تتحمل عبئاً إنسانياً كبيراً يفوق قدراتها، مؤكداً أن الاحتياجات الأكثر إلحاحاً تتمثل في المياه، والتعليم، وخدمات الحماية، خاصة للنساء والأطفال.

واختتم السيد باتريسي حديثه بالإشارة إلى شهادات إنسانية مؤثرة جمعها خلال زيارات ميدانية لمناطق اللاجئين، حيث التقى أطفالاً يعانون إصابات خطيرة فقد بعضهم أطرافه نتيجة النزاع، إضافة إلى أمهات يروين معاناة يومية قاسية تعكس حجم المأساة الإنسانية. وشدد على أن المفوضية تتبنى سياسة “عدم التسامح مطلقاً” تجاه أي استغلال أو انتهاكات جنسية، مع تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة والتوعية، وضمان حماية الضحايا وتقديم الدعم اللازم لهم.

ميمونة موسى عبدالكريم

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire