الافتتاحية

الافتتاحية: «الإنسان عدو الإنسان»

تشهد أرض توماي اليوم، تنامياً مقلقاً لبعض السلوكيات والممارسات، التي لا تسهم في دفع عجلة التنمية الوطنية، بقدر ما تُعمق دوائر الفقر والانقسام، وتُكرس مظاهر التراجع والسطحية.

«الإنسان عدو الإنسان»

فخلف الشاشات ولوحات المفاتيح، يقضي البعض ساعات طويلة في تتبع تحركات الآخرين وتصرفاتهم، فقط لتأويلها بصورة سلبية، وبحثاً عن أي مدخل للطعن أو التشويه. وعلى منصات التواصل الاجتماعي والفضاءات الرقمية، برزت فئة أتقنت ثقافة الإساءة والتشهير، والتقليل من شأن الآخرين، مستهدفةً المؤسسات والأفراد، حتى أولئك الذين يؤدون واجبهم بإخلاص وروح وطنية.

هذا الواقع، يعيد إلى الأذهان كلمات الفنان الإيفواري ألفا بلوندي حين قال: «أعداء إفريقيا هم الأفارقة أنفسهم». فبعض التصرفات تدفع للتساؤل عما إذا كان بعض أبناء تشاد قد تحولوا من حيث لا يشعرون إلى خصوم لوطنهم قبل أي طرف آخر.

فما أن يحقق شخص إنجازاً، أو يطلق مشروعاً، أو يتولى مسؤولية، حتى تنهال عليه حملات التشكيك والاتهامات، وتُنشر الاشاعات بسرعة مذهلة دون دليل أو تحقق، وأحياناً دون أدنى شعور بالمسؤولية، والحقيقة أن ترويج الأخبار الكاذبة لا يندرج ضمن حرية التعبير أو النقد البناء، بل يعكس في كثير من الأحيان نزعة الحقد، وضعف الوعي، والسعي وراء الشهرة الرخيصة وإثارة الجدل.

وقد تحولت عشرات الصفحات المجهولة، إلى منصات متخصصة في التشهير والإساءة إلى سمعة الناس، غير مدركة لما تخلفه أفعالها من آثار إنسانية واجتماعية ومهنية خطيرة. فالإشاعات والأخبار الزائفة تنتشر كالنار في الهشيم، وتشوه صورة المؤسسات، وتثبط همم أصحاب الكفاءات، بل وقد تُحطم جهود من يعملون بصدق من أجل الوطن.

وحتى عندما تكون بعض المعلومات صحيحة، فليس كل ما يُعرف يُقال أو يُنشر على الملأ. فخلف كل شخص يتعرض للهجوم، توجد أسرة وأبناء وأقارب يدفعون هم أيضاً ثمن الإهانة والتشهير. وبين من يختار الصمت، أو يلجأ إلى الوساطة، أو يرد دفاعاً عن كرامته، تبقى الخسارة الأكبر هي تآكل الثقة داخل المجتمع.

إن الاختلاف في الآراء أمر طبيعي في كل المجتمعات، ولا أحد يحتكر الحقيقة المطلقة. ومن هنا، تبرز أهمية ترسيخ ثقافة الاستماع واحترام الرأي الآخر، وإدارة النقاش بروح حضارية بعيداً عن التخوين والإقصاء.

فالحكمة والمسؤولية تظلان الخيار الأجدر، فمن حفر حفرة لأخيه وقع فيها، ولا ينبغي لأبناء وبنات تشاد، أن يفرطوا في قيمتهم وكرامتهم من أجل مصالح ضيقة أو تصفية حسابات أو سعياً وراء ضجيج عابر على منصات التواصل.

فبدلاً من الهدم، آن الأوان لتشجيع المبادرات الإيجابية، وإبراز الكفاءات الوطنية، ودعم كل الجهود القادرة على دفع البلاد نحو التقدم. وحده هذا المسار سيكون كفيلاً بصناعة نماذج ملهمة، وبناء تشاد أكثر وحدةً ومسؤوليةً وتطلعاً إلى المستقبل.

التحرير

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire